الأحد، سبتمبر 20

بافلو بيل وبن لادن

بقلم : فؤاد وجاني

في يوم الحادي عشر من سبتمر من السنة التاسعة بعد الألف الثانية بعد الميلاد ، قادتني يداي قيادة فطرية نحو صعود الجبال . أحيانا قد تضيق بك حمى العيش وسط الزحام فما أن تجد فسحة من الوقت حتى تأخذ خفيك في يديك وتهرب الى أقرب خلوة لتنعم بأحلى سلوة . الأمر ليس صعبا في كولورادو ، في لاية تكاد تملأها الطبيعة في جزئها الغربي جبلا تلو الجبل ، فسبحان من رفع السماء بلا عمد ونصب الجبال بلاوتد . وليس هنالك أكثر من الجبال سكنا وأجلها خشوعا ، فهي توحي بالعظمة لمتسلقها ، وتزرع فيه روح التحدي، فتبدوالحياة سهلا في أعين ناظرها ، ويغدو العيش لهوا في قلب متأملها .
الهواء هنا حيث تكاد يداك تلمس السحب البيضاء لاتوصف نقاوته ، والسهول هناك حيث المدن والبنايات و العمران الإنساني تبدو صغيرة مضمحلة لايُذكر أثرها، كل شيء يبدو متواضعا من أعلى الجبال ، حتى الجسد الذي يتسلقه يخشع ويرجع الى إنسانيته . الوقت النابض نحو الموت يتوقف هنا، والحياة تدرك أسمى معانيها هنا ، الجمال وحده ينطق في صمت هنا ، وتتهاوى الكلمات عن وصف قمة اللحظة ، الصورة وحدها تغذي الإحساس لتبقى مسجلة في الذكرى .
وصلت الى القمة لأتذكر بعدها أنني في طريقي الى مرقد بافالو بيل أحد رعاة البقر المشهورين في الغرب الأمريكي . فتذكرت أن اليوم كان الحادي عشر من سبتمبر ، وتذكرت بن لادن ، فكلاهما بالآخر مقرون، ولمحت غزلانا على جنبات الطريق الجبلي المتصاعد ، وثعلبا واقفا متجمدا في مكانه وقد جلس في طمأنينة وأحاط رجليه الأماميتين بذيله وكأنه فخور بنفسه ، و القادمون للتبرك بكعبة بافالو بيل يأخذون صورا تذكارية له .
بافالو بيل هذا هو الإسم المستعار لويليام فريديريك والذي ولد في ولاية أيوا في عام 1846 ، وامتهن حرفا متعددة ، فقد كان صيادا وسائق حنطور وجنديا خلال الحرب الأهلية ومديرا لفندق وسائقا لعربات الشحن الثقيلة قبل أن يسطع نجمه ويحفظ اسمه كل لسان . وقد لقب ب "بافالو بيل" تهنئة له على قتله ل4860 جاموس خلال مدة لم تتجاوز ثمانية عشر شهرا ليساهم في انقراضه علما أن حياة الهنود الحمر واستمرارهم كانت تعتمد على اصطياد الجاموس قبل حلول الأوروبيين .
لكن صيته ذاع في عام 1883 بعد أن أسس عرضا بفرقة سماها "بافلو بيل والغرب المتوحش" ، وكان العرض يجمع بعض الهنود الحمر ورعاة بقر حقيقيين ، وجالت الفرقة كل أنحاء أمريكا وأوروبا وبريطانيا فشغل بافالو بيل الناس وملأ الدنيا وأصبح سفيرا للصورة الأمريكية الجديدة لدى أعتاب الملوك والرؤساء والدول ، ونجح في تحويل الصورة الأمريكية من رعاة بقر متعجرفين الى أناس راقيين ذوي ذوق رفيع وخاطر وسيع .
العرض المسرحي الذي يمثل الإنسان الأبيض والهندي الأحمر في مشهد تمثيلي واحد ،بعد قرون من الإبادة الجماعية المتواصلة لملايين الهنود الحمر ، اختزل ثقافة الهنود الأحمر في قطيع البقر الوحشي ، وربط وجودهم بالإنسان الأبيض ، وأدغم علمهم في الحصول على مايسد الرمق ، وكأن الهندي الأحمر لم يكن يوما صاحب حضارة ولامالك أرض . ليس من باب المبالغة القول أن بافلو بيل أسس نظرة هوليود اللاحقة للهنود الأحمر على أنهم الشر والجهل ، وأن الإنسان الأبيض يمثل الخير والمعرفة.
والأعجب أن بافلو بيل بلغ بعرضه أوج العالمية بعد استقطابه سنويا لمشاركين من أركان الأرض الأربعة فقد شاركه خيالون عرب وأتراك ومغول وروس وغيرهم .
وكنت قد بحثت في المكتبات الأمريكية عن كتب تصف حقيقة عروض وسيرة بافالو بيل فلم أجد منها سوى تلكم المليئة بالمدح والتي تستر عمدا المؤامرة التي حيكت لتهميش الهنود الحمر وتصغيرهم في أعين الناس والتاريخ ، وماخفي فهو أعظم والله به أعلم. فتذكرت كتب التاريخ المحرفة في المقررات الدراسية في العالم العربي والإسلامي بين قوسين ، والعروبة والإسلام بريئان منهما براءة الذئب من دم يوسف .
اليوم بافالو بيل بطل تاريخي ورمز لحداثة الغرب الأمريكي وعنوان لإنتقاله من حياة الشظف الى ابتغاء سبل الحضارة . وسواء ذهبت الى ولاية نبراسكا أم الى أيوا أو وايومنغ أو كولورادو ستجد له متاحف بل مدنا بأكملها تحمل إسمه وتروي ملاحمه المسرحية المزيفة على حساب تاريخ الإنسان الهندي الأحمر الرافض لوجود المستعمر الأوروبي والقابع تحت الفقر المذقع في المحميات ، أما أولئك الهنود الحمر الذين قرروا الإندماج فهم ينعمون في عيش رغيد .
العنف ضد الأبرياء ليس له شرع ولامبرر ولامكان له في عالم الإنسان "المتحضر" بلغة العدل وليس العصر . لكن حيثما وُجِد ظلم فهنالك عنف ، ولايسبق العنف الظلم بل يليه وينتج عنه ، والإنسان ظلوم بطبعه مفسد بجبله سفاك للدماء ، والواقع التاريخي يقول إن فترات السلم هي الإستثناء ، والحرب هي القاعدة ، و الأقوياء وحدهم يصنعون التاريخ ، والحضارات تنتزع الحقوق انتزاعا . بهذا المنطق الإنساني الغابوي تكون أمريكا على حق في غزوها للعراق وأفغانستان ، وتكون إسرائيل على حق في إغتصابها لفلسطين قلب المسلمين ، ويكون بن لادن على حق في أحداث التاسع عشر من سبتمبر .
لكن مهلا ، من المتضرر الأكبر والخاسر الأخسر ؟ أليست هي الشعوب البريئة من ذمة أولئك وفعلة هؤلاء ؟ وماذنب عامة الناس البسطاء الذين لاناقة لهم ولاجمل من الأمريكيين والفلسطينيين والعراقيين واللبنانيين والأفغانيين والهنود الحمر والعرب واليهود ؟
بافلو بيل قتل آلاف القطعان من البقر الوحشي ، والأوروبيون نحروا ملايين الهنود الحمر ، وبن لادن أسفك دماء الآلاف من الأبرياء ، والقوات الأمريكية لم تحتل العراق لتبني مستشفى أو جامعة بل خلفت الأرامل والدمار وقتلت ملايين العراقيين ، والأفغانيون يرزحون تحت الإحتلال وتحت خط الفقر ويعانون من القهر ، وإسرائيل قتلت عشرات الآلاف من اللبنانيين وأعدمت وشردت ملايين الفلسطينيين ، والحكومات العربية تقتل حريات مواطنيها كل يوم وليلة. المعادلة العصرية الوحيدة تقول إن الأقوياء يعتبرون أرواح الناس قطيعا كقطعان الجاموس يحلون دمه .
فهل تستحق الشعوب مايحدث لها لأنها نحت منحى القطيع ورضت بالخبز والماء بدل الحرية والكرامة ؟ وهل هي شعوب بريئة فعلا ؟ أليس الصامت عن الحق شيطانا أخرس وجب إعدامه ؟ فهل سيأتي على المسلمين يوم يقيمون فيه متحفا لابن لادن على شاكلة بافلو بيل ؟
أترك لكم الإجابة أيها الأحرار بين قوسين .

الأربعاء، سبتمبر 16

النص الكامل لكلمة الزميل منتظر الزيدي خلال المؤتمر الصحفي بمقر قناة البغدادية بعد الافراج عنه


















الثلاثاء, 15 أيلول - سبتمبر 2009 21:01
بسم الله الرحمن الرحيم
ها انا ذا حر وما زال الوطن اسيرا…
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

في البدء احيي و اشكر كل من وقف الى جانبي من الشرفاء في وطني و في الوطن العربي الكبير وفي العالم الاسلامي والعالم الحر.
لقد كثر الحديث عن الفعل والفاعل والبطل والبطولة والرمز والصنيع, لكنني بكل بساطة اجيب ان الذي حررني للمواجهة هو الظلم الذي وقع على شعبي، وكيف ان الاحتلال اراد اذلال وطنى بوضعه تحت جزمته وسحق فوق رؤس ابناءه من شيوخ ونساء واطفال ورجال وعلى مدى الاعوام الماضية سقط اكثر من مليون شهيد برصاص الاحتلال واكتظت البلاد بخمسة ملايين يتيم ومليون ارملة ومئات الالاف من المعاقين ونحو خمسة ملايين من المشردين داخل البلاد وخارجها .

كنا قوما يقتسم العربي مع التركماني والكردي والاشورى والصابئي والايزيدى رغيف الخبز ويصلي الشيعي مع السني في صف واحد، ويحتفل المسلم مع المسيحي في عيد ميلاد السيد المسيح عليه السلام، ورغم اننا كنا نجوع يوميا في حصار امريكا لأكثر من عشرة سنوات فإن صبرنا وصمودنا لم ينسنا الاستبداد والقمع حتى اجتاحنا الاحتلال بوهم التحرير لدى البعض ففرق بين الاخ واخيه والجار وجاره والولد وخاله وجعل بيوتنا صناديق عزاء لا تنتهى ومقابرنا صارت في الشوارع والمتنزهات، انه الطاعون انه الاحتلال الذي يفتك بنا ويدنس دور العبادة وحرومات البيوت ويغتصب الحرائر ويزج بالالاف كل يوم في سجون مرتجلة.
انا لست بطل واعترف بذلك لكنى صاحب رأي وموقف لقد اذلنى ان ارى بلادي تستباح , بلادي تحرق واهلي يقتلون , الاف الصور والمشاهد المأساوية ضلت عالقة في ذهني وهي تضغط على كل يوم مشيرة الى طريق الحق طريق المجابهة طريق رفض الباطل والزيف والخداع وكنت لا انام معها ليلاً هانئاً , عشرات بل مئات الصور والفضائح والمجازر التى يشيب لها الجنين كانت تبكيني وتجرحنى فضيحة ابو غريب مجزرة الفلوجة , النجف , حديثة مدينة الصدر, البصرة , ديالى , الموصل , تلعفر , وكل شبر من ارضنا الجريحة، كنت اجول طوال السنوات الماضية بارض محترقة وكنت اشاهد بام عيني الام الضحايا واسمع صرخات الثكالى والايتام وكان العار يلاحقني كاسم قبيح لقلة حيلتي وحين اكمل واجبهى المهني في نقل كوارث العراقيين اليومية وانا اغتسل من بقايا غبار المنازل المهدمة او من بقايا دماء الضحايا العالقة في ثيابى اعض على اسناني معاهدا ًضحايانا بالثأر لهم وقد حانت الفرصة ولم افوتها وفاءً لكل قطرة دم بريئة سقطت من الاحتلال أو من جرائه لكل صرخة ثكلى او انين جريح او حزن مختصبة او دمعة يتيم , لو علم اللائمون كم وطات الحذاء التى قذفتها منازل مهدمة بفعل الاحتلال وكم مرة اختلط بدماء الابرياء النازفة وكم مرة دخلت بيوتاً انتهكت حرمات حرائرها ولعلها كانت الرد المناسب حين تنتهك جميع المعايير.

اردت بقذفي الحذاء في وجه مجرم الحرب بوش ان اعبر عن رفضى لكذبه رفضي لاحتلاله لبلادى رفضي لقتل شعبى رفضي لنهب خيراته وتهديم بناه التحتية وتشريد ابنائه في الشتات وبعد 6 سنوات من الذل والقتل وانتهاك الحرمات وتدنيس دور العبادة ياتي القاتل متبجحا بًالنصر والديمقراطية ويريد توديع ضحاياه ويريد منا الورود، ببساطة كانت تلك وردتي للمحتل ومن اراد التواطؤ معه واستغفال التأريخ سواء بنشر الاكاذيب قبل الاحتلال او بعده , اردت الدفاع عن شرف المهنة وعن الوطنية المستضامة يوم دنست البلاد واستبيح الوطن وذهب الشرف الرفيع.

يقول البعض لماذا لم يسأل بوش سؤال يحرجه فيه في المؤتمر وانا هنا اجيبكم انتم يا معشر الصحفيين , كيف لي ان اسأل بوش وقد امرنا قبل بدء المؤتمر بان لا نطرح السؤال عليه , ممنوع اي شخص ان يسال بوش وكنا نكتفي بالتغطية فقط كخبر اما عن المهنية فان المهنية التى يتباكى عليها البعض في ظل الاحتلال ولا اظن ان صوتها يطغى على صوت الوطنية واذا تحدثت الوطنية ستجد المهنية رديفاً لها , وبهذه المناسبة اذا كنت قد اسأت بغير قصد والله العالم للاعلام والصحافة اود الاعتذار منكم لما سببته من احراج مهني للمؤسسات ولان كل ما قصدته هو التعبير بوجدان حي وضمير يقظ عن مكنونات مواطن يرى بلده يستباح كل يوم كما ان التاريخ يذكر كثير من القصص التى دنست فيها المهنية بيد ساسة امريكا سواء في محاولة اغتيال الثائر الكوبي فيديل كاسترو من خلال تفخيخ كاميرا تلفزيونية كان يحملها عملاء لل سي آي أي حينما ادعوا انهم من التليفزيون الكوبي، أو ما فعلوه في حرب احتلال العراق من تضليل الرأي العام بما يجري وامثلة كثيرة لا يسعني ان اذكرها هنا , لكن الشيء الذي اود ان الفت اليه الانتباه هو ان هذه الاجهزة المريبة اي المخابرات الأمريكية والأجهزة الاخرى التابعة لها لم تدخر جهداً في ملاحقتي كثائر متمرد على احتلالها في محاولة لقتلي او تسقيطي وهنا الفت انتباه المقربين الى مصائد المخابرات تلك للايقاع بى وقتلي بشتي الطرق جسدياً واجتماعيا ًومهنياً .

وفي الوقت الذي خرج به رئيس الوزراء العراقي في الفضائيات ليقول انه لم ينم الا بعد ان اطمئن على و انني قد وجدت فراش وفيراً وغطاء , في تلك اللحظات التى كان يتحدث بها رئيس الوزراء العراقي كنت اعذب بابشع انواع التعذيب صعق بالكهرباء ضرب بالكيبلات ضرب في القضبان الحديدة وفي الباحة الخلفية للمؤتمر الذي كان يجري وما زال يجري وانا اسمع اصوات المؤتمرين وربما كانوا يسمعون صراخ انيني وتركت في الصباح مكبلاً في مكان لا يقيني برد الشتاء القارص بعد ان اغرقوني في الماء منذ الفجر، لذلك اطلب بالاعتذار عن حجب الحقيقة عن الناس من السيد المالكي وساتحدث لاحقاً عن الاسماء التى تورطت بتعذيبي وبينهم بعض المسئولين الكبار في الدولة وفي الجيش .

لم ابلغ من فعلتى هذه دخول التاريخ او الحصول على مكسب ما وانما اردت الدفاع عن بلدى وهو امر مشروع تقره القوانين والاعراف السماوية والارضية والدولية ، اردت الذود عن بلد عريق وحضارة استبيحت واظن ان كتب التاريخ الامريكية وغير الامريكية ستذكر كيف جعل المحتلون العراق العريق يخضع لسيطرتهم ويذعن لهم و الى الاساليب الوحشية التى استخدموها بحق ابناءه متبجحين بذلك متذكرين ما كان يحدث للسكان الاصليين في امريكا الجنوبية والشمالية على يد المستعمرين، ولكنني اقول هنا لهم ولكل من حذا بحذوهم وكل من آزرهم وتباكى عليهم , هيهات فنحن شعب نموت ولا نذل.

واخيراً اقول انني مستقل وغير متنتمي الى اي حزب كما ظهر كثيرا وفي اثناء التحقيق والتعذيب انني انتمي الى جهات يمينية ويسارية ,لكنني مستقل من اي جهة سياسية كانت وساسخر ان شاء الله كل جهدى القادم في الخدمة الانسانية المدنية لشعبي وكل من هو بحاجة اليها دون الخوض بغبار السياسة وليس غمار السياسة كما اطلق البعض اشاعات عني وساعمل على رعاية الايتام والارامل وكل من تضرر بالاحتلال.

الرحمة للشهداء والشهيدات الذين سقطوا في العراق الجريح والعار لمن احتل العراق ومن ساعد فى فعلته النكراء والسلام على المعفرين في غياهب القبور وعلى المقهورين في سلاسل الاعتقال والسلام عليكم ايها الصابرون المحتسبون في بلادي الحبيبة الجريحة فان ليل الظلم وان طال فانه لن يحجب شمساً خططناها بايدينا ان تبقى شمساً للحرية.
وكلمة اخيرة اوصاني بها رفاقي وزملائي في المحنة في السجون هناك , قالوا يا منتظر اذا خرجت فاذكرنا عند ربك , انا ربي واحد سبحانه وتعالى واذكرهم عنده في كل صلاة لكن ارباب الدولة والسياسية اذكرهم بان هناك في السجون المرتجلة وغير المرتجلة مئات بل الاف الضحايا بسبب مخبر سرى بسبب وشاية وهم يقبعون في هذه الزنازين منذ سنوات ولا محاكمة ولا مراجعة لهم، فقط جلب من الشوارع ومن البيوت وزج في هذه السجون، فانا امامكم وامام الله وامامهم الان الذين ربما يستمعون لي ويشاهدوني فقد برأت ذمتي، فابرؤا ذمتكم ايها السياسيون والمسؤولين في الدولة عما يجري في السجون من ظلم بسبب تأخير القضاء العراقي.
شكرا لكم والسلام عليكم ورحمة الله .

الخميس، سبتمبر 3

مِنَشَّةُ القذافي والذبابُ الأمريكي

بقلم : فؤاد وجاني

في غضون أيام قليلة سيحط معمر القذافي الرحال بولاية نيوجيرسي الأمريكية وفي يديه معجزتان عظيمتان تفرد بهما عن باقي القادة والسلاطين ، ألا وهما كتاب أخضر ومنشة ذباب . وسينصب القذافي خيمته بحي إنغلوود بأرض تملكها السفارة الليبية قاذفا الرعب في قلوب سكان حي معظمهم من اليهود . حي يكاد يهلك من الغيظ ليس لأن القذافي نسي الإتيان بالناقة والجمل فحسب ، بل بسبب حادثة الإفراج الأخيرة عن المتهم الأول في إنفجار طائرة بانام فوق لوكربي من قبل السلطات الإسكتلندية .
لاشك أن الإفراج عن المقرحي قد سبب قرحا عميقا في نفوس عائلات الضحايا على الرغم من عدم ثبوت أدلة واضحة تدينه طوال فترة الإعتقال ، حيث ظلت كارثة تحطم الطائرة لغزا عصيا عجزت عن حله رغم سمو ذكائها وطول خبرتها المخابرات الأمريكية والبريطانية . فسنحت الفرصة وهيأت الظروف لإتهام ليبيا من خلال مواطنين يعملان بشركة الخطوط الجوية الليبية بمطار لوقا بمالطة ، ونُسجت خرافة أهون من بيت العنكبوت مفادها انهما قد سهلا عملية شحن حقيبة تحتوي على متفجرات ، بل وادعت بعض الجهات الغربية أن المواطنين العاملين بالمطار عنصران قد تم تجنيدهما وتأطيرهما لصالح المخابرات الليبية .
كلنا نعلم أن رائحة العرب المسافرين في كبرى المطارات الغربية تثير النفور وتوحي بالشرور لدى السلطات، وأن رؤية العرب العابرين تجذب النظرات وجلا وتوجس الأنفاس فزعا وكأنها إشارة مرور حمراء تكبح جماح الشعور بالطمأنينة في كل مكان ، فمابالك بعاملين في مطار صغير تابع لجزيرات ثلاث تطلق على نفسها دولة وتحسب لنفسها سيادة ومساحتها تكاد لاتتعدى أخمصا صغيرا في قدم الصحراء الليبية .
إن نصب الخيمة القذافية في عقر الدار الأمريكية لتعبير عن فخر واعتزاز بنجاح ساعد الدبلوماسية الليبية في لوي ذراع الغرب المحتاج للنفط الليبي حاجة الجنين للحبل السري ، فقد هرول الرئيس السويسري هانس رودلف ميرز معتذرا بشأن حادثة الاساءة التى تعرض لها ابن الرئيس الليبي هنيبال معمر القذافي وأسرته من جانب شرطة جنيف بعد أن هدد القذافي بقطع النفط عن سويسرا قبيل حلول صقيع الخريف ، و سجدت فرنسا ذليلة وتواضعت خسيسة للعملة الليبية منقذة اقتصادها من الوقوع دون قيام في ظلمات الإفلاس بفضل الصفقات العسكرية الأخيرة .
لذلك كله سيثبت القذافي أوتاده ، وسينصب خيمته ، وسيمد رجليه ، وينشنش الذباب في أمريكا ، كما فعلها في باريس من قبل ، رغم أنف الكارهين الممتعضين من وجوده . وليس من المستبعد أن تتحول الخيمة الى مزار شريف يقصده السياسيون والسواح والمقيمون والفضوليون والثوريون والعدوانيون والمتظاهرون على حد السواء .
الذباب وحده لن يكتفي بالزيارة العابرة والعيادة المارقة، بل إنه لا محالة مخيم في خيمة القذافي المعطرة بريحة البراري . لكن الذباب هذه المرة ليس فرنسيا ولاسويسريا بل أمريكي الأصل والمنبت ، فالذباب السويسري والفرنسي رقيق فَطِنٌ لايألف الطرد ولايقوى على الضرب ، بينما الأمريكي ثخين بطِنٌ لايخيفه الهش ولايفزعه النش ، فالذباب الأمريكي هو الوحيد في زماننا الذي لايرهبه حضور العربي ، بل إن الذبابة الأمريكية ترقص فرحا وتحرك جناحيها مرحا لرؤية عربي طري يحمل بين إبطيه عرقا طازجا من بلاد تحفل بمالذ وطاب من النفايات التاريخية . وهي فرصة حميمية للذباب الأمريكي الذي ينعم بالحرية الكاذبة لإحياء صلة الرحم مع إخوته من الذباب الليبي خاصة والعربي عامة الذي لا يشم رائحة الحرية صادقة كانت أم كاذبة. وإنها لفرصة أعظم للذباب الأمريكي لتغيير مذاق الأطعمة ونكهة الأشربة ، فالذباب في نهاية المطاف حشرة نهمة شرهة ، تطير وراء غريزة بطنها ، وتحلق خلف غرير جوفها سواء أكانت أمريكية أم عربية أم سويسرية أم فرنسية.
وقد تختلف عادات الذباب وتتنوع تقاليده من مكان لآخر في المنظر لكنه يبقى ذبابا في الجوهر، وقد يكون ثقيل الدم تارة خفيف الظل أخرى ، لكنه في آخر المطاف مجرد ذباب . فإذا كان الذباب الفرنسي والسويسري يتصفان بالرقة وينعتان بالأناقة ، فإن الأمريكي فظ خشن ، لبعضه طنين يشبه دوي طائرات ف 16 ويحلق بسرعة ويجيد المناورة، ولبعضه نغمات تماثل صواريخ الأرض جو وينطلق من منصات متحركة أو ثابثة . كما أن الذباب الأمريكي يصول ويجول في كل بقاع العالم ، لاتحده جغرافية الحدود ولاتعجزه اتجاهات البوصلة .
أما داخل الوطن العربي فلايوجد قانون يمنع الإعتداء على الذباب ، لذلك فإن القذافي كسائر العرب لايتورع عن قتله بمنشته. وقد يقول قائل إن القذافي بما لايدع شكا أو ريبة سيكون حذرا في تعامله مع الذباب الأمريكي ، وإلا لحقته قضايا جنائية بحق كرامة الذباب الأمريكي قد ترفعها ضده مؤسسات حماية البيئة وهيئات الدفاع عن حقوق الحيوانات والحشرات والنباتات في العيش الكريم ، بعد أن فشلوا في اتهامه بتفجير الطائرة الأمريكية .
لكن ذلك تقدير ساذج وتخمين خاطئ ، فقد أثبت العلم والدين أن الذبابة تحول الباكتيريا الى أحد جناحيها بينما تحتفظ بمضاد الباكتيريا في جوفها ، فإذا سقط الذباب في طعام أو شراب ، فإن أفضل وسيلة للتخلص من جراثيمه غمسه كليا ثم طرحه.
أما القذافي فقد أثبت اقتصاديا أن غمس الذباب في براميل نفطية لابداية لها وأنابيب غازية لانهاية لها هو أنجع وسيلة للتخلص من التبعية السياسية والدعاوي القضائية. وفي هذا الصدد ، فإن مكتب عمدة نيوجرسي لايمانع في إقامة الخيمة القذافية على أرضه وبمدينته مقابل دفع ضرائب مالية ومستحقات جبائية لفائدة خزينة البلدية والدوائر الأمنية التي ستحرس مقام الشريف القذافي .
آخر انتصارتاريخي ضد ذبابة قاده أوباما ، وقد أعذر بعد أن أنذرها ، لكنها كانت من فئة الذباب العنيد ، فصوب أوباما بسرعة بديهية فأصاب بدقة فطرية، ولم تمض سوى ثوان معدودة حتى أرديت الذبابة شهيدة فوق سجاد البيت الأبيض على مرأى ومسمع من العالم. الغريب أن أوباما بجلالة قدره وعظمة شأنه استعمل سلاحا يدويا في الفتك ، خلافا لما نعهده في الطبع الأمريكي القصير البال المعروف باستعمال أسلحة الدمار الشامل الفتاكة من المببيدات الحشرية لسرعتها في الحصول على النتائج . فأثبت بذلك أوباما أن بمقدور الأمريكيين البراعة في الوسائل التقليدية أيضا. فهل ياترى يحطم القذافي الرقم القياسي لأوباما في إبادة الذباب أم أنه ستطغى عليه شيمة الأصالة والحفاظ على التراث وسيستخدم المنشة فقط مرة أخرى ؟
كيفما كانت نتيجة السباق الذبابي ، فإن للدبلوماسية بين البلدين قاسم مشترك يكمن في إتقان فن قتل الذباب . لكن مهلا ورفقا يارفيق ، وحذار ثم حذار من مطبات الزمان ومفاجآت الهوان ، فلاتغرنك سلطة المنشة ، ولاتمدن رجليك كل المد ولاتثنها كل الثني فتقعد محاصرا محصورا . صحيح أنكم تملكون الغاز والنفط ، وصحيح أنكم قادرون على نتف أجنحة الذباب بغازكم وغمسه في نفطكم ، لكن أيام النفط قصيرة وأعماره يسيرة، فهل أتاك حديث الوقود الحيوي والطاقات المتجددة و المستمدة من الشمس والهواء والماء والكائنات الحية سواء النباتية أو الحيوانية منها ؟ . إنهم ينتظرون النفط المبتكر ويترقبون الغاز المنتظر ، وقد يعجل الله خالق الذباب بالفرج وظهور طاقات حديثة لاطاقة لإقتصاد بلدكم وبلدان الخليج بها ، حينها سيستولون على منشتكم ويكسرون نخوتكم .
حللتم أهلا ووطأتم سهلا بنيوجرسي ياقائد الثورة الليبية ياقذافي ياعظيم القوم ، ونسأل الله الذي لايحشر الحشرات يوم الحشر أن يرحمنا ويرحم الذباب ويرحمكم أيها الرفيق ، وأن يمن على منشتكم بطول العمر وكثرة الذباب ، وأن يديم عليكم ظل الخيام، وأن يطيل في حياتكم حتى ننتفع من ذخائر علمكم ونفائس فكركم من بقية أجزاء كتابكم الأخضر الأحمر منها والأسود .

الأربعاء، أغسطس 26

كرامة الرئيس أم مصالح الوطن؟

بقلم: فهمي هويدي
حين خُيِّر الرئيس السويسرى بين كبريائه وبين الدفاع عن مواطنيه ومصالح بلده، فإنه قبل أن يضحي بالأولى ليفوز بالثاني.
حدث ذلك حينما توجّه الرئيس هانز رودلف ميرتس إلى العاصمة الليبية يوم الخميس الماضي 20 أغسطس، لكى يقدم اعتذاره لرئيسها عن احتجاز ابن العقيد القذافي وزوجته في أحد مخافر الشرطة بجنيف في منتصف شهر يوليو عام 2008.
وكان الابن ـ هانيبال القذافي ـ قد استدعي من فندق كان يقيم فيه إلى المخفر، بناء على شكوى قدمها ضده اثنان من أفراد حاشيته، اتهماه فيها هو وزوجته بسوء المعاملة.
استغرق التحقيق مع هانيبال وزوجته يومين، ثم أطلق سراحهما بعد ذلك بعد سداد كفالة قُدّرت بنحو 300 ألف يورو، بعد تسوية الأمر خارج المحكمة. (للعلم: مجلة «فورين بوليس» اختارت هانيبال ضمن أسوأ خمسة من أبناء الرؤساء في العالم).
شرطة جنيف وسلطات التحقيق فيها تعاملت مع هانيبال وزوجته باعتبارهما شخصين وجّهت إليهما تهمة، ويجب التحقيق فيها طبقا للقانون. ولم ينتبه المحققون إلى أن «المتهم» ينتمي إلى عالم يعتبر الحكام وأسرهم كائنات فوق القانون. لذلك فإنه ما إن وصل الخبر إلى طرابلس، حتى اعتبر هذا التصرف «القانوني» عملا عدائيا ضد الجماهيرية العظمى، فقامت الدنيا ولم تقعد، وقرر العقيد أن يثأر لكرامة ابنه، فأوقفت ليبيا إمدادات النفط إلى سويسرا، وسحبت 5 ملايين يورو من ودائعها في بنوكها، وفرضت قيودا على أنشطة الشركات السويسرية وحركة الطيران بين البلدين، كما صدرت الأوامر باحتجاز اثنين من السويسريين في ليبيا بدعوى مخالفتهما لقوانين الإقامة.
وبدا كأن مصالح البلدين وعلاقاتهما باتت مرتهنة لعملية الثأر، التي لم ينقصها لكي تصبح حربا شاملة إلا أن تحرك ليبيا جيشها «ولجانها الثورية» لكي تؤدب حكومة سويسرا وشعبها.
حين راقب الرئيس هانز ميرتس المشهد، وجد أن الجمود أصاب علاقات سويسرا مع ليبيا، وأن الأضرار التي ترتبت على ذلك يجب أن توقف، فهناك مواطنان سويسريان محتجزان في طرابلس. وهناك العديد من المصالح الاقتصادية المعطلة. في الوقت ذاته لاحظ الرجل أن السلطات الليبية مستمرة في تصعيد إجراءاتها ضد بلاده، وأن السلطات في جنيف متمسكة بموقفها فيما يخص الإجراءات القانونية التي اتخذتها. ولم يكن أمامه سوى أن يتدخل بصفة شخصية لكسر الجمود وحل الإشكال، فما كان منه إلا أن تحامل على نفسه وذهب إلى طرابلس، حيث اعتذر لرئيسها، وعقد اتفاقا لتسوية الأزمة وعودة العلاقات المقطوعة بين البلدين، وقضى هذا الاتفاق بإنشاء هيئة تحكيم من ثلاث شخصيات للاطلاع على جميع الأدلة التي لدى الطرفين بخصوص الإجراءات التي اتخذت بحق الأخ هانيبال، وستتولى الهيئة تقييم تلك الإجراءات والتأكد من سلامتها وخلوها من التعسّف ضد الابن المذكور.
الإعلام الليبي اعتبر ما تم «انتصارا»، في حين أن الأوساط السياسية والإعلامية في سويسرا هاجمت الزيارة والاعتذار، الذي اعتبرته «استسلاما مهينا» لـ«راعي الإبل» الليبي،
ورد الرئيس ميرتس في مؤتمر صحافى بأن تصرفه كان الوسيلة الوحيدة لكسر الجمود في علاقات البلدين وإعادة المواطنين المحتجزين في طرابلس، وتأمين مصالح سويسرا التي أضيرت.
ما فعله العقيد القذافي ليس تصرفا استثنائيا في العالم العربي، الذي لايزال منطق القبيلة هو السائد فيه. ولا تختلف في ذلك قبيلة عن أخرى إلا في أسلوب تعاملها مع الآخرين، فقد خاصمت مصر أفريقيا بعد محاولة اغتيال الرئيس مبارك قبل عشر سنوات، واكتشفنا حين أثير موضوع توزيع مياه النيل أن ثمة مصالح حيوية أهدرت بسبب ذلك الخصام،
وأراد الرئيس السادات أن يؤدب القذافي، فأصاب علاقات البلدين بالشلل لأكثر من عشر سنوات أخرى.
وتوترت علاقة إحدى دول المغرب العربي بفرنسا، لأن شقيق الرئيس العربي اتهم بالسرقة وتهريب المخدرات،
ولدىّ قصص أخرى من هذا القبيل يصعب نشرها، لأنها تتعلق بفضائح أخلاقية وجنسية تسببت في الإضرار بمصالح عربية حيوية لا تخطر على البال.
إن السؤال الذي يخطر على بال المرء حين يتابع المشهد هو:
هل يمكن أن يتحامل رئيس عربي على نفسه لكي يفرّج كربة بعض مواطنيه أو ليحل مشكلة لبلاده، كما فعل الرئيس السويسري؟

الجمعة، أغسطس 21

اضحك مع شيخ الكوميديا الطنطاوي !

بقلم: فؤاد وجاني

حين تشتاق نفسي الى الضحك والطرافة و تتوق روحي الى المرح والفكاهة،لا أطالع مقالات الأدباء الساخرة ولا أقرأ نكت المازحين العابرة ولا أرتاد مجالس الظرفاء العامرة فحسب ، بل غدوت أتابع بشوق عميق وميل دقيق كلام بطل الكوميديا الأزهرية النجم الطنطاوي الساطع في الصحف المكتوبة والقنوات المرئية والإذاعات المسموعة .
يبدو أن هذا الرجل القصير القامة ، الفرعوني الهامة ، العظيم المنصب ، الصعيدي المنبت ، ذي العمامة البيضاء ، والوجه المستدير، والجبين المستنير ، والبطن المنتفخة، والعينين الصينيتين ، قد تحول الى كوميدي من الطراز الرفيع، قد نستغني بفتاويه عن شرائط عادل إمام الصاخبة ونكتفي بأحاديثه عن أفلام شارلي شابلين الصامتة .
ماأتعسنا، فمواهب الطنطاوي الكوميدية ظهرت متأخرة بعد أن غمر الشيب شعر رأسه الخفيف، وتمكنت الشيخوخة من أعضاء جسمه النحيف ، ولو أنها ظهرت زمان اسماعيل ياسين لكانت الكوميديا المصرية قد شقت دربا أيسر ونحت منحى أسخر .
لكن السينما المصرية في حالها اليوم لفي أمس الحاجة الى فكاهة من مستوى طرافة كوميدي الأزهر على تقدم سنه وتأخر فنه، علها ترفع من واقعها المتردي وترجع بها الى عصرها الذهبي . فالهزل في شرع الضاحكين خير وإن تأخر، وليس في الإستهتار ضير وإن جاء على لسان عالم الأزهر . فالرجل قد اتخذ من أسلوب الطنز مذهبا ومن مشاعر الناس مطنزا حتى غدا طنازا بدرجة شيخ .
فبالأمس القريب، حين دعا ساركوزي شيوخ الأزهر وعلى رأسهم الطنطاوي للحصول على تأييدهم في قضية منع الحجاب ، طنطن الطنطاوي مشيرا الى أن "الحجاب ينطبق على المرأة في البلاد الإسلامية فقط" ، ودندن أن من حق فرنسا منع الحجاب بل كررها بالثلاث وكأن الحجاب امرأة خيف عليها النشوز فقرر تطليقها طلاقا بائنا مثلثا: "هذا حقهم ، هذا حقهم ، هذا حقهم". اهتز حينها ساركوزي فرحا ورقصت خاصرة الحكومة الفرنسية طربا على مباركة الطنطاوي للتبرج هاجرا الحجاب في المضجع الفرنسي .
وازدادت شهرة نجم الأزهر الساطع في ظلام سماء نيويورك بمؤتمر حوار الأديان حين صافح حبيب قلبه ومهجة فؤاده شيمون بيرز بكلتا يديه بل كاد يقبل وجنتيه لولا تجعدهما ، وكأنه يشكره امتنانا على حصار غزة وقتل نسائها وأطفالها ورجالها وشبابها وشيوخها .
وحين رجع الأسد الطنطاوي الى عرينه الأزهري ، زأر طانزا بانه لم يعرف شيمون بيريز بل أضاف "ولو عملت إسرائيل الحصار واحنا مالنا... لاأعرف أن هناك حصارا على غزة ، دي شغلتي أنا كمان ؟"" . حاشا لله أن يكون شغل نجم الأزهر الشاغل نصرة قضايا المسلمين ، فالمشيخة تقع في مجرة حلزونية تبعد ببلايين السنوات الضوئية عن غزة ومتسضعفي المسلمين في الكوكب الأرضي بدرب التبانة .
وعقب الرسوم المسيئة للرسول (ص) وخلال لقائه بالسفير الدنماركي بالقاهرة بيارن سورنش الذي قدم له اعتذارا عن "أي تصريح أو عمل أو تعبير يشوه صورة الأديان"، طنز شيخ الأزهر طنزة كبيرة هذه المرة مستنكرا "الإساءة إلى الأموات بصفة عامة سواء كانوا من الأنبياء أو المصلحين أو غيرهم من الذين فارقوا الحياة الدنيا". على الأقل الدنماركيون الذين أساؤوا الى الرسول (ص) كانوا يعتقدون بأنه حي في قلوب الناس إلى أن نزل عليهم طنين الطنطاوي بصاعقة لايتبعها مطر وباغتهم بحصاد لايليه لقاط ، بأن الرسول ميت كسائر الأموات !
وحين سئل عن حكم الشرع في مقاطعة المنتجات الدنماركية، حلب الكوميدي الطنطاوي ضرع البقرة الدنماركية مقاطعا السياسة والإقتصاد الإسلاميين : "أنا رجل شرعي ولست رجل اقتصاد ولارجل سياسة.....أنا مش بتاع كلو ".
أما عندما سأله مذيع قناة الجزيرة حول موقفه من أعمال الحفر بجانب المسجد الأقصى ، فجر الطنطاوي عبوة ناسفة كوميدية أخرى في عالم الجهاد الأزهري : "ماذا يحدث ؟ وهل تقوم إسرائيل بالحفر الآن؟...قولوا لهم مايحفروش ... ".
واكتفى الطنطاوي مؤخرا بالقاء السلام من بعيد على حبيب القلب بيريز في مؤتمر كازاخستان لحوار الأديان خوفا من لوم العاذلات وغدر الوشاة .
ولايمانع الشيخ المعمم لباس "المايوهات" على الشواطئ في حضور الرجال والنساء صارخا: "وهي الدولة قالت لكم روحوا ..."
مسلسل الكوميديا عند الطنطاوي لم يقتصر عند الحوادث الطارئة بل تعداه الى الفتاوي الخالدة ، فأباح المعاملات المصرفية الربوية بطلب من جهات رسمية عليا، وأجاز اجهاض المغتصبة ، أما التدخين فحرام على الفقير حلال على الغني ، ولاضرر في تحويل الرجل الى أنثى بشرط الضرورة الطبية ، وأيد توصيات مؤتمر الأمم المتحدة للمرأة المنعقد ببكين الداعية الى حرية الزواج من نفس الجنس ضاربا الآيات القرآنية الصريحة والأحاديث النبوية الفصيحة عرض الحائط .
والكوميدي الطنطاوي لايرفض طلبا لعتبات حسني مبارك الشريفة ، فيصدر فتوى بإحالة أعضاء الجماعة الإسلامية الى المحكمة لعسكرية ، ولايتوانى ثانية في السجود لجنابه تحت سلم الطائرات التي تقل مخرج فتاويه حسني مبارك، ولم يطالب يوما بإلغاء حكم الطوارئ .
وحين أفتى أحد الشيوخ النزيهين القلائل بالأزهر واسمه نبوي محمد العش بتحريم التعامل مع المجلس الانتقالي في العراق ، هرع السفير الأمريكي ديفيد وولش للتمسح بصلعة الطنطاوي عله يستخرج منها فتوى صالحة ، فأيد الطنطاوي حكومة العراق المقامة خلف دبابات الناتو ، بل أصدر قرارا بعزل الشيخ العش الى منطقة نائية عله يعشش هناك .
أما خلال الحرب الأولى على العراق ، فقد أتحفت صلعة الطنطاوي بعض غترات سلاطين الخليج بجواز الإستعانة بالقوات الأجنبية ، فكانت عود الثقاب التي أحرقت العراق وأهله .
وإذا حل شهر رمضان ، أتحفنا الطنطاوي بطلعته البهية وحضرته الزكية في القنوات العربية بفوازير يستخدم فيها عمامته الأزهرية تفوق تعقيدا من فوازير هيفاء وهبي التي تستغل فيها هيافة جسدها . فتارة يقفز من على كرسي البرامج التلفزية ويحرك يديه ذات اليمين تارة وأخرى ذات الشمال ، وتارة يخبط يديه في صدره ليولول ويبلبل أحلى من فيفي عبده، ولكل عمل تلفزيوني أجره . أما إذا ألقى درسا في حضرة جناب مكنى او أمير مفذى فتعداد الحسنات بعشرات الآلاف من الدولارات ، والله لايضيع أجر المحسنين .
ختاما ، شيخ الكوميديا الطنطاوي في حالة صحية خالصة ووضعية عقلية طازجة ، ومن المتوقع أن يكون من المعمرين على خشبة مسرح الأزهر ، ولن يصاب بجلطة دموية أو صاعقة قلبية أو لوثة دماغية أو أزمة نفسية ، لأن أطباء أحوال الأمة اكتشفوا أن الرجل لاغيرة له . المرض الوحيد الذي يعاني منه شيخ الكوميديا هو الحساسية تجاه غبار الصحفيين حين ينفضون أوراقهم ويستنهضون أقلامهم ، فأوجد لهم جنابه الدواء بضرورة جلدهم .
أرجو من الله تعالى أن تلقاكم مقالتي هاته ، شيخنا الكوميدي الكريم ، فتصيبكم الحساسية المفرطة لتمن علينا من خياشيمكم المسدودة و تعطس علينا من نفحات مناخيركم المخنونة ، ودمتم عنوان فرح لهذه الأمة التعيسة وعمامة مرح في سنواتها الكبيسة، وطال ظلكم على العروش وملأ بفتواكم الكروش ، وسادت حكمتم الساخرة وفاضت موهبتكم البارعة حتى نراكم تتبوؤون الدرجات السامية والمقامات العالية مع الممثلين والممثلاث والمضحكين المضحكات في جنة هوليوود .

الجمعة، أغسطس 7

اللغة العربية مسئولية قومية


بقلم :أحمد سويلم


لسنا في حاجة إلي تأكيد قيمة اللغة وموقعها لدي الأمم في إحداث التغيير وإذكاء الروح القومية‏..‏ وتحقيق الأهداف بما تحمله من آداب وإبداعات وأفكار‏..‏ ولابد أننا علي يقين من أن ثورة‏23‏ يوليو لم تأت من فراغ ثقافي‏..‏ فعودة الروح لتوفيق الحكيم‏..‏ وكتابات طه حسين والعقاد والمازني‏..‏ وأشعار شوقي وحافظ وغير ذلك قد قامت بدور كبير في رسم خريطة التغيير الثوري‏..‏ تماما كما حدث في الثورة الفرنسية‏(1789)‏ والتي قامت بعد عصر التنوير ورجاله فولتير وروسو وغيرهما‏..‏ وكما حدث مع ثورة روسيا‏(1917)‏ حيث كانت نتاجا للغة وأفكار بوشكين وجوجول ودستيوفسكي وغيرهم‏.‏ ومن ثم فإن اللغة هي الأداة الأولي للتواصل الاجتماعي‏..‏ والثورات في جوهرها جماعية‏..‏ وكلما استطاعت اللغة حمل الأفكار والقيم والفكر تطور معها المجتمع‏..‏ وكلما تشوهت أو تراجعت تشوه وتراجع معها المجتمع‏.‏

ويشهد واقع اليوم تراجعا خطيرا للغة الفصحي‏..‏ كاد يضعها في إطار ضيق لتعبر عن الفقه والتوحيد والعبادات فحسب‏..‏ وفي هذا هدم للركيزة الأساسية لتراثنا وهويتنا‏.‏ وأحسب أن مظاهر هذا التراجع تتبدي واضحة في لافتات المحلات‏..‏ وإعلانات الشوارع وفي معظم أسماء برامج التليفزيون والإذاعة وكل هذا يخرج علينا باللغة الأجنبية بقصد ملاحقة العصر والعولمة‏..‏ ونري أن هذه الإعلانات والبرامج لا تصنع ثقافة‏..‏ بل تمثل قشور الحضارة‏..‏ وتساعد علي التواء اللسان‏..‏ وفراغ العقل‏..‏ والوجدان‏..‏ كما تتبدي هذه المظاهر كذلك في سيادة العامية ومزاحمتها للفصحي في كل مجالات حياتنا‏..‏

خاصة في وسائل الإعلام‏..‏ وفي خطب وأحاديث المسئولين‏..‏ ونكاد نوقن ان يدا خفية تبغي القضاء علي هويتنا وشخصيتنا‏..‏ تعبث ليل نهار دون ان يردعها رادع‏..‏ وتستجيب لها مؤسسات الدولة دون ان تفكر في النتائج‏...‏ فتمحو في وسائل الإعلام كل ما يتصل بالثقافة‏..‏ وتشجع كل ما يمنح شبابنا فراغا وتسلية واستلابا للغته وهويته‏.‏ وقد يشكو البعض من جمود الفصحي وعجزها عن حمل مضامين العصر‏..‏ وفي الحقيقة تكمن المحنة فينا نحن في كل مجالات حياتنا‏..‏ فبعضنا متعصب للفصحي تعصبا أعمي لا يقبل لها تطورا‏..‏ بل يحتضنها حتي الاختناق ـ ومن الحب ما قتل ـ ولا يكاد يسلم إلا بفصحي الاصمعي أو الحريري أو بديع الزمان‏..‏ وهذه محنة كبري‏..‏ وبعضنا الآخر أمام هذا التعصب‏..‏ ينفلت من اسار الفصحي إما الي عامية فجة تتبدي في الأغاني الهابطة والحديث اليومي‏..‏ والفضائيات التي تدخل كل بيت‏..‏ بل في بعض الصحف التي هجرت عذوبة الاسلوب أو ينفلت الي لغة اجنبية يزهو بها‏..‏ وتصدمنا في كل مناحي حياتنا‏..‏ وتلوث آذاننا وعيوننا ومشاعرنا‏.‏

وقد يتساءل البعض أمام هذه الصورة الواقعية المحيرة‏:‏ هل تهبط الفصحي إلي العامية‏...‏ أم نرتفع بالعامية الي الفصحي‏..‏ وربما لو صيغ السؤال هكذا كان أفضل‏:‏ هل نيسر الفصحي أم نفصح العامية؟

لقد فتحت النهضة المعاصرة باب التواصل مع العالم‏..‏ فحدث ما يشبه التلاقح بين اللغات‏..‏ وهناك محاولات‏(‏ معجمية‏)‏ لتفصيل ذلك‏..‏

بل هناك دراسات تؤكد قدرة الفصحي وسعتها لاستيعاب كل شيء بما فيها العلوم‏..‏ لكن هذه المحاولات المخلصة ـ للأسف ـ تظل حبيسة الأدراج مع أهميتها في اقناع شبابنا بلغته الجميلة‏.‏

ويقول العلماء‏:‏ إن للكلام وظيفتين‏:‏ اسهام اعلامي موضوعي‏..‏ وتواصل ذات يحمل قيم الفكر والثقافة‏.‏

وكما يقال لكل مقام مقال‏..‏ فان الألفاظ بلا شك يتغير مفهومها من عصر الي آخر‏..‏ ومن مناخ لغوي الي مناخ آخر‏..‏ وليس هذا بدعا ليس له سابق‏..‏ فقد فعلت ذلك اللغات الأخري مثل الصينية والعبرية‏.‏ وبقدر ما في الانجليزية‏..‏ فقد أعاد الصينيون النظر في لغتهم وأبعدوا عنها ما يسيمها بالتعقيد فتواصلوا مع العالم وصاروا أبناء دولة كبري‏...‏وأحيا اليهود لغتهم العبرية بعد زمن طويل من الهجر والإهمال وصارت اليوم لغة علي ألسنة الساسة اليهود اعتزازا بها بعد احيائها وتطورها‏.‏

أما حال لغتنا العربية اليوم‏..‏ فهي انعكاس صادق لتفكك الأمة العربية‏,‏ إنها مهددة بالضياع علي أيدينا لأننا أهملنا الحفاظ عليها وتطويرها‏..‏

ومن المعروف ان اللغة العربية واجهت أخطارا وتحديات كبيرة‏..‏ ولكنها استطاعت برغم ذلك الصمود والاستمرار‏..‏ ويذكر التاريخ المعاصر ان مجلة المقتطف‏(1881)‏ كانت قد طرحت فكرة كتابة العلوم بالعامية المصرية‏,‏ فأثارت ضجة في الأوساط الثقافية أبدع علي أثرها حافظ ابراهيم قصيدته الشهيرة‏(‏ العربية تنعي حظها بين أهلها‏)‏ في عام‏1903‏ ـ ودعا عيسي اسكندر المعلوف عام‏1902‏ الي اللهجة العامية ورأي ان الفرق بين لغة الحديث ولغة الكتابة من أسباب التخلف‏..‏

وفي عام‏1945‏ دعا سلامة موسي الي كتابة العربية بحروف لاتينية‏..‏ وأصدر أحمد تيمور‏(‏ معجم الألفاظ العامية ـ ومعجم الأمثال العامية‏)‏ وفعل ذلك أحمد أمين‏...‏ وحاول توفيق الحكيم استحداث لغة‏(‏ وسطي‏)‏ بين العامية والفصحي لكن هذه المحاولات وغيرها باءت بالفشل أمام صمود الفصحي وقدرتها علي استيعاب متطلبات العصر‏..‏ وصدرت القوانين والقرارات التي تحافظ عليها وتحظر كتابة اللافتات بغير العربية وتعاقب المخالفين‏...‏ كان آخرها قانون‏(112‏ لسنة‏2008)‏ الذي جعل مجمع اللغة العربية مسئولا عن حث دور التعليم والإعلام علي استخدام اللغة العربية‏..‏ كما عقدت المؤتمرات التي تطرح هذه القضية‏..‏ وتنفض دون جدية أو تحقيق مستوي أدني من الاهتمام‏.‏

المشهد إذن يدعو إلي الرثاء في وجود هذا التنافس الخطير بين وسائل الإعلام والإعلان في ظل العولمة العصرية ويصبح الخطر ليس ضد الفصحي فحسب وإنما هو ضد القيم والتعليم والثقافة في الهوية والتاريخ العربي‏..‏ ولن ينقذ اللغة قانون يصدر‏..‏ وإنما ينقذها ان تصبح مشروعا قوميا خالصا‏..‏ ينظر الي الهجوم عليه بأنه جزء من المؤامرة علي مقدراتنا وهويتنا‏..‏ وبغير ذلك لن تقوم للغتنا قائمة‏.‏